محمد محمد أبو ليلة

275

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

يفهم من عبارة ابن عطية أنه كان ممن يجزم بوجود ألفاظ أعجمية في القرآن الكريم ، هذا أولا ، وأما ثانيا فإن قول خصوم القرآن بأن بعض كلماته أعجمية لا دليل عليه ، وذلك لأنهم لم يكونوا من أهل اللغات ، ولا لهم اطلاع على آداب الأغيار حتى يكونوا مؤهلين لإطلاق مثل هذا الحكم ، ولا كان محمد كذلك ممن يعرف لغات أجنبية حتى توجه له مثل هذه التهمة ، إن هناك أدلة من الشعر العربي على وجود مثل هذه الألفاظ التي تعلقوا بها في اللغة العربية فلما ذا إذن لم يوجهوا الاعتراض نفسه للشعراء الذين استعملوها قبل نزول القرآن ، إذا كانت المسألة مسألة غيرة على اللغة أو ادعاء عدم فهم بعض مفردات القرآن ؟ واضح من كلام ابن عطية ومن الإحصاء الذي قدمه السيوطي في الإتقان أن القرآن ، إذا صحت دعوى الأخذ من لغات أخرى ، إنما استعمل ألفاظا ، مجرد ألفاظ ، من بعض اللغات غير العربية والتي كانت مستعملة بلا شك بين العرب ، ولو اعتمدنا ما سجله علماء المسلمين أنفسهم من ألفاظ غير عربية لما تجاوزت هذه الألفاظ المائة . وهذه نسبة ضئيلة جدا إذا قورنت بمجموع ألفاظ القرآن البالغة 97439 لفظة . وقد بالغ المستشرقون كثيرا في الحكم على كثير من ألفاظ القرآن بأنها أعجمية ، وذلك لمجرد وجود تشابه حرفى أو صوتي بين بعض ألفاظ القرآن وألفاظ لغات أخرى ، حتى لقد جعلوا كلمة الإسلام نفسها آرامية مشتقة ( Taryumic Aramico ) والتي تعنى في أصل وضعها السلام أو تحقيق السلام . كما زعموا أن محمدا لحرصه على تميز رسالته عن اليهودية والنصرانية قد أعطى للكلمة معنى آخر ، قالوا ذلك انطلاقا من دعوى أعجمية بعض ألفاظ القرآن التي روج لها خصوم الوحي بمكة ، ورد القرآن عليهم في ذلك كما مر بنا ؛ ولأن بعض الروايات جاءت بأقوال لبعض الصحابة تفيد وجود بعض ألفاظ غير عربية في القرآن ، اجتهد علماء المسلمين في دراسة مفردات الكتاب العزيز وتتبع غرائبها ومصادرها سواء من حيث لهجات العرب أو من حيث لغات الشعوب غير العربية فقد ألف السيوطي كتابا بعنوان " المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب " اختصره في كتابه " الإتقان في علوم القرآن " « 1 » . ومن قبله كتب أبو حاتم الرازي كتاب " الزينة في الألفاظ الإسلامية " ، وألف الجواليقي كتاب " المعرّب " . وقد استفاد السيوطي من هذين الكتابين كثيرا في " الإتقان " ؛

--> ( 1 ) انظر 2 / 120 - 150 .